اسماعيل بن محمد القونوي
187
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أعرض عنه استعارة بالكناية لكن الأولى كون الإعراض والانحراف استعارة « 1 » مصرحة تشبيها للمعقول بالمحسوس . قوله : ( أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرا ) على أن الجانب بمعنى الناحية والمكان ثم نزل مكان الشيء وجهته كذلك منزلة الشيء نفسه كقولك لمجلس العالي أدام اللّه تعالى أيامه وقوله مقام الذنب فكأنه قيل نأى بنفسه ثم كنى بقوله ذهب عن التكبر والخيلاء فيه ففيه كنايتان وعلى الوجه السابق كناية واحدة حيث كنى بنأى بجانبه عن الانحراف كذا قيل والظاهر ما قاله المحشي الفاضل من قوله والفرق بين المعنيين « 2 » أن الجانب في المعنى الأول باق على حقيقته ولا وجه لما قاله العلامة التفتازاني إن لفظ الجانب جسده وفي المعنى الثاني كناية عن الجملة والنفس انتهى قال المص في سورة الإسراء وَنَأى بِجانِبِهِ [ فصلت : 51 ] لو اعطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن متبد بأمره ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المتكبرين انتهى قوله هنا أو ذهب بنفسه الخ إلى قوله تكبرا إشارة إلى كونه كناية عن الاستكبار فما ذكره هناك أوضح مما ذكره هنا فحينئذ يكون هذا تأسيسا لا تأكيدا للإعراض وعلى الأول يكون تأكيدا كما مر . قوله : ( والجانب مجاز عن النفس ) أي على الأخير وأما على الأول فباق على حقيقته كما صرح به المحشي ردا على العلامة التفتازاني . قوله : ( كالجنب في قوله تعالى : فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] ) فإنه مجاز عن ذات اللّه لا كناية عند من اشترط إمكان إرادة المعنى الحقيقي كصاحب الكشاف ورضي به المص وعند من لم يشترط ذلك فهو كناية وقيل لا يخفى أن قوله مجاز في قوله والجانب مجاز مجاز فإنها كناية عنها ولا يظهر وجه هذا البحث لأن كلاما واحدا قد يجوز كونه حقيقة لكون القرينة ضعيفة وكونه مجازا لتحقق القرينة ولو ضعيفة وكلام الشيخين مشحون بذلك ونقل عن النحرير التفتازاني ما ذكرناه في وجه صحة ذلك مع أن المجاز لا يصار إلا عند تعذر الحقيقة فإن أراد بقوله فإنها كناية لأن المعنى الحقيقي يمكن إرادته فقد عرفت أنه لا ينافي ذلك كونه مجازا وإن أراد غير ذلك فليبين ذلك ثم إن ما ذكره المص في جنب اللّه مذهب المتأخرين ومسلك المتقدمين التوقف فيه ولم يرضوا التأويل المذكور ونحوه . قوله : ( كثير مستعار مما له عرض متسع للاشعار بكثرته واستمراره ) كثير بيان معنى المراد قوله مستعار مما له عرض الخ وهو الأجسام وهي موصوفة به وهو اقصر الامتدادين وأطولهما هو الطود والظاهر أن عريضا مستعار للكثير كما فسره به فقوله مستعار مما له
--> ( 1 ) لأن أصل الإعراض الذهاب عن المواجهة إلى العرض فيكون استعارة مصرحة للإباء عن الشكر . ( 2 ) وأنه يتحقق بالبعد عن الشيء في الجملة وفي الثاني لا بد أن يذهب ويبعد عن الشيء بالكلية بحيث يكون غائبا عنه وهذا أصل معنى التركيب والمراد هنا كنوي فلا فرق بين المعنيين في معنى الكناية إلا بالمبالغة في الثاني .